العيني

237

عمدة القاري

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرج البخاري طرفا منه في الرقاق عن آدم بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رفعه : ( لن ينجي أحدا منكم عمله ! قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ، سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشئ من الدلجة والقصد تبلغوا ) . وأخرج النسائي أيضا مثل حديث هذا الباب . بيان اللغات : قوله : ( ولن يشاد الدين ) من المشادة وهي : المغالبة من الشدة بالشين المعجمة ، ويقال : شاده يشاده مشادة : إذا غالبه وقاواه ، والمعنى : لا يتعمق أحدكم في الدين فيترك الرفق إلاَّ غلب الدين عليه ، وعجز ذلك المتعمق وانقطع عن عمله كله أو بعضه ، وأصل لن يشاد : ويشادد ، أدغمت الدال الأولى في الثانية ، ومثل هذه الصيغة مشترك بين بناء الفاعل وبناء المفعول ، والفارق هو القرينة ، وههنا يحتمل الوجهين على ما يجيء عن قريب ، إن شاء الله تعالى . قوله : ( غلبه ) يقال : غلبه يغلبه غلبا بفتح الغين وسكون اللام ، وغلبا بتحريكها ، وغلبة بإلحاق الهاء وغلابية مثال علانية ، وغلبة مثال حذقة ، وغلبي بضمتين ، مشددة الباء مقصورة ، ومغلبة ؛ وأما الغلب ، بضم الغين فهو جمع غلباء ، يقال : حديقة غلباء ، وحدائق غلب ، أي : غلاظ ممتلئة . قوله : ( فسددوا ) من التسديد ، بالسين المهملة ، وهو : التوفيق للصواب وهو السداد والقصد من القول والعمل ، ورجل مسدد إذا كان يعمل بالصواب والقصد ، ويقال : معنى سددوا الزموا السداد ، أي : الصواب من غير تفريط ولا إفراط . قوله : ( وقاربوا ) بالباء الموحدة لا بالنون ، معناه : لا تبلغوا النهاية بل تقربوا منها ، يقال : رجل مقارب بكسر الراء : وسط بين الطرفين . وقال التيمي : قاربوا إما أن يكون معناه : قاربوا في العبادة ولا تباعدوا فيها ، فإنكم إن باعدتم في ذلك لم تبلغوه ، وإما أن يكون معناه ساعدوا . يقال : قاربت فلانا إذا ساعدته أي : ليساعد بعضكم بعضا في الأمور ، ويقال : معناه إن لم تستطيعوا الأخذ بالكل فاعملوا ما يقرب منه . وفي ( العباب ) : قارب فلان فلانا إذا ناغاه بكلام حسن ، وفي حديث النبي ، عليه الصلاة والسلام ، قال : ( قاربوا وسددوا ) أي : لا تغلوا واقصدوا السداد وهو الصواب ، وشئ مقارب ، بكسر الراء ، أي : وسط بين الجيد والرديء ، ولا يقال : مقارب يعني بالفتح ، وكذلك إذا كان رخيصا . قوله : ( وأبشروا ) بقطع الهمزة من الإبشار أي : أبشروا بالثواب على العمل وإن قل ، وجاء لغة : أبشروا ، بضم الشين من البشرة بمعنى الإبشار . قوله : ( واستعينوا ) . من الاستعانة ، وهو طلب العون . قوله : ( بالغدوة ) بضم الغين المعجمة . وقال الكرماني ، بفتح الغين ، وتبعه على هذا بعض الشارحين ، والصحيح ما ذكرناه : وهو سير أول النهار إلى الزوال . وقال الجوهري : الغدوة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس ، والروحة ، بفتح الراء ، اسم للوقت من زوال الشمس إلى الليل ، وفي ( المحكم ) : الغدوة البكرة ، وكذا الغداة ، وقال الجوهري : يقال : أتيته غدوة غير مصروفة لأنها معرفة مثل : سحر ، إلاَّ أنها من الظروف المتمكنة . تقول : سر على فرسك غدوة وغدوة وغدوة وغدوة ، فما نوّن من هذا فهو نكرة ، وما لم ينون فهو معرفة ، والجمع : غُدى ، ويقال : أتيتك غداة غد ، والجمع : غدوات انتهى . وقال ابن الأعرابي : غدية لغة في غدوة ، كضحية لغة في ضحوة ، والغدو جمع غدات نادر ، وغدا عليه غدوا وغدوانا ، واغتد أبكر ، وغاده باكره ، وغدوة من يوم بعينه غير منون : علم للوقت . وأما الرواح فذكر ابن سيده أنه العشي ، ورحنا رواحا وتروحنا : سرنا من ذلك الوقت أو عملنا . قوله : ( من الدلجة ) ، بضم الدال ، وإسكان اللام ، كذا الرواية ، ويجوز في اللغة فتحها ، ويقال بفتح اللام أيضا ، وهي بالضم سير آخر الليل ، وبالفتح سير الليل ، وأدلج بالتخفيف : سير الليل كله ، وبالتشديد سير آخر الليل ، هذا هو الأكثر . وقيل : يقال فيهما بالتخفيف والتشديد ، وقال ابن سيده : الدلجة سير السحر ، والدلجة سير الليل كله والدلج والدلجة ، الأخيرة عن ثعلب : الساعة من آخر الليل ، وأدلجوا ساروا الليل كله ، وقيل : الدلج الليل كله من أوله إلى آخره ، وأي ساعة سرت من الليل من أوله إلى آخره فقد أدلجت ، على مثال : أخرجت ، والتفرقة بين أدلجت وأدلجت قول جميع أهل اللغة إلاَّ الفارسي ، فإنه حكى : أدلجت وأدلجت لغتان في المعنيين جميعا ، وفي الجامع : الدلجة والدلجة لغتان بمعنى ، وهما سير السحر ، وقال قوم : الدلجة سير السحر ، والدلجة ، بالفتح سير أول الليل ، كلاهما بمعنى عند أكثر العرب ، كما تقول : مضت برهة من الدهر وبرهة وتقول : أدلج الرجل يدلج إدلاجا إذا سار من أول الليل ، وأدلج إدلاجا سار من آخره ، وفي ( الجمهرة ) : ساروا دُلجة من الليل أي : ساعة ، وفي ( المنتهى ) لأبي المعاني : والاسم الدلج ، بالتحريك ، وجمع الدلجة : دلج ، وغلط ابن درستويه ثعلبا في تخصيصه أدلج ، بالتشديد ، بسير أول الليل ، وأدلج ، بالتخفيف ، بسير آخره ؛ قال : وإنهما عندنا جميعا سير الليل في كل